محمد ابراهيم شادي
36
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
النص على الموازنة : وفي زحمة الرد على من زهّدوا في الشعر بزعم ما فيه من شبهة الغواية ، يذكر عبد القاهر أن العبرة بالغاية ، وأنه لم يطلب الشعر لما فيه من مكروه ثم يقول : " أردته لأعرف به مكان بلاغة وأجعله مثالا في براعة أو احتج به في تفسير كتاب وسنة ، وأنظر إلى نظمه ونظم القرآن فأرى موضع الإعجاز وأقف على الجهة التي منها كان ، وأتبيّن الفصل والفرقان " « 1 » . فهذه العبارة التي تاهت في زحمة الرد على من كره الشعر تصيب الهدف الذي أراده عبد القاهر وتوجز المنهج الذي يريده في البحث عن الإعجاز ويتلخص في النظر إلى نظم الشعر ثم النظر في نظم القرآن للوقوف على الفروق وجهات التميز في القرآن فتلك هي مواضع الإعجاز ، ولنسمّ هذا المنهج بما شئنا موازنة أو مفاضلة أو مقارنة ، المهم أن بيان عبد القاهر عنها جاء في غاية الوضوح . وعند حديثه عن العلم باللغة وأنها أداة لازمة للباحث عن الإعجاز ، يعلل لهذا تعليلا يكشف عن غايته حتى يعرف الذي ينقب عن إعجاز القرآن المعاني عن طريق اللغة والإعراب ، فإن الفروق في الدلالة والأغراض والمزايا بين كلام وكلام لا تأتى إلا عند التصرف في النظم بتقديم أو تأخير مثلا وذلك إنما يدل عليه الإعراب المحدد لمواقع الكلمات ، فهذا ما يشير إليه قول عبد القاهر : " إن الألفاظ مغلقة على معانيها حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها ، وأن الأغراض كامنة فيها حتى يكون هو المستخرج لها ، وأنه المعيار الذي لا يتبين نقصان كلام أو رجحانه حتى يعرض عليه ، والمقياس الذي لا يعرف صحيح من سقيم حتى يرجع إليه ، لا ينكر ذلك إلا من ينكر حسّه وإلا من خالط في الحقائق نفسه " « 2 » . فإذا كان العلم بالشعر لازما للتدريب على المفاضلة والموازنة بين شعر وشعر كمقدمة ضرورية للموازنة بين الشعر والقرآن ، فإن العلم باللغة مهم لأنها
--> ( 1 ) نفسه 26 . ( 2 ) دلائل الإعجاز 28 .